ابن عجيبة

510

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : سَمِعْنا قولك ، وَعَصَيْنا أمرك ، وَاسْمَعْ منا غَيْرَ مُسْمَعٍ قولك ، أي : لا نلتفت إليه ، أو دعاء بالصمم : أي : لا سمعت ، أو غير مسمع منا مكروها ، نفاقا ، ويقولون له مكان انظرنا : راعِنا قاصدين بذلك الشتم والسخرية ، من الرعونة ، وقد كان الصحابة يخاطبون به الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومعناه : انظرنا . أو راعنا بقلبك ، فوجد اليهود بها سبيلا إلى الشتم ، فنهاهم الله عن ذلك ، وبقيت اليهود تقولها شتما واستهزاء لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ، أي : فتلا لها عن معناها ، من الانتظار إلى ما قصدوا من رميه بالرّعونة ، وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي : استهزاء به ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان سمعنا وعصينا ، وَاسْمَعْ منا فقط ، مكان : واسمع غير مسمع ، وَانْظُرْنا مكان راعنا ، لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وأعدل ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي : طردهم وأبعدهم بسبب كفرهم ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا إيمانا قَلِيلًا لا يعبأ به وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض من الآيات والرسل . والله تعالى أعلم . الإشارة : والله ما ربح من ربح ، إلا بالأدب والتعظيم ، وما خسر من خسر إلا من فقدهما . قال بعضهم : « اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقا » . وآداب الظاهر عنوان آداب الباطن ، ويظهر الأدب في حسن الخطاب ، ورد الجواب ، وفي حسن الأفعال ، وظهور محاسن الخلال . والله تعالى أعلم . ثم دعاهم إلى الإيمان بعد أن وسمهم بالعصيان ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي : نغير صورها ونمحو تخطيط أشكالها ، فلا تبقى عين ولا أنف ولا حاجب ، فَنَرُدَّها عَلى هيئة أَدْبارِها من الأقفاء ، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا ، أَوْ نَلْعَنَهُمْ أي : نخزيهم بالمسخ ، كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ، فمسخناهم قردة وخنازير ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ، لا مرد له ، ولعله كان مشروطا بعدم إيمان بعضهم ، أو يراد بطمس الوجوه ما يكسوها من الذلة والصغار . ويراد باللعن حقيقته ، أي : نلعنهم على لسانك كما لعنوا على لسان داوود وعيسى بن مريم .